العشية الفصحية في كنيسة القيامة

يُطلِق التقليد على العشية الفصحية لقب: "أم سائر العشيات". وإن الاحتفال بها في المكان الذي تمت فيه حقيقة قيامة المسيح، انما هو امتياز سنوي تتمتع به كنيسة الأرض المقدسة. ومنذ أول ساعات يوم السبت المقدس، سبت النور، اجتمع وفد من المسيحيين المحليين، مع مجموعة من الراهبات والرهبان الفرنسيسكان التابعين لحراسة الأراضي المقدسة، داخل كنيسة القيامة للإحتفال بالليتورجية الفصحية. إن الإحتفال صباحاً بقداس العشية الفصحية في هذا اليوم يعود إلى تقليد سابق للمجمع الفاتيكاني الثاني،  تمت المحافظة عليه في كنيسة القيامة لأسباب متعلقة بنظام الوضع القائم، الذي ينظم العلاقات بين الكنائس المسيحية المقيمة في كنيسة القيامة. 

أمام بوابة الكنيسة، أقيمت أولاً رتبة النار المقدسة، التي تميزت في هذا العام بمزيد من الخشوع. وبسبب إجراءات الوقاية من فيروس كورونا التي فرضتها السلطات، لم يكن بالامكان للمؤمنين المشاركة في هذه الرتب الخاصة بالأسبوع المقدس خلال العام الماضي. شارك المؤمنون في المقابل بالاحتفالات التي أقيمت في كنيسة القيامة هذا العام بفرح كبير. 

ترأس الاحتفال غبطة البطريرك اللاتيني الأورشليمي، المونسينيور بييرباتيستا بيتسابالا. وقد علق قائلاً: "في هذه الأماكن المقدسة، أي مكان الجلجلة ومكان القيامة اللذين يشهدان لقيامة الرب، نصلي كي يُتم الله أبانا عمل الخلاص الذي قد بدأه بالسرّ الفصحي".

تتخلل خدمة الكلمة سبع قراءات وسبع مزامير مأخوذة من العهد القديم، تروي العجائب التي أجراها الرب مع شعبه. قرع من ثم الرهبان الفرنسيسكان التابعون لحراسة الأراضي المقدسة الأجراس مع بداية ترنيم الجوقة لنشيد "المجد". وبعد تلاوة رسالة القديس بولس، أُعلن انجيل الفصح من أمام مدخل القبر المقدس، وفقاً لتقليد مرتبط بهذا المكان. 

يتم خلال هذا الاحتفال أيضاً تجديد مواعيد العماد المقدس قبل النضح بالماء المبارك بوضع الشمعة الفصحية فيه. 

وفي عظته، أوضح غبطة البطريرك اللاتيني بأن الخيط الذي يربط بين مختلف قراءات هذا اليوم هو أمانة الله لوعوده. وتأمل غبطته من ثم في ثلاثة أفعال وردت في الانجيل هي: اشترى ورأى وذهب. فعندما توجهت النساء إلى القبر، كنّ منذ مساء اليوم السابق قد أعددن الزيوت التي سيحتجنها لتأمين رتبة دفن لائقة بيسوع. وأردف غبطة البطريرك قائلاً: "نحن مدعوُّون اليوم لنتعلَّمَ من تلك النساء أن نعِيشَ بالرغم من الضَّيَاع، وأن نبذِلَ حقًّا حياتَنا من أجل حُبِّ المسيح، وننظُرَ إلى الصليب كمقياسٍ للحبِّ الذي فدانا، وإلى هذا القبرِ الفارغِ فنرى فيه إعلانًا للحياةِ الأبديّةِ لنا جميعًا".

ويرى غبطة البطريرك اننا جميعا نحتاج لرؤية علامة وسماع كلمة، إلا أن تفسير القيامة أمر مستحيل. ما يبقى بوسعنا هو "عيش القيامة"، وذلك بفضل شهود يتمتعون بالمصداقية: "الشاهدُ الأول هي الكنيسة، المكان الذي يكلمُنا فيه القائم من بين الأموات من خلال الأسرار وإعلان الكلمة. يدعونا إنجيلُ اليوم إلى أن نكونَ كنيسةً شجاعة، لا تخشى الوحدة وسوء الفهم، وتقابلُ القائمَ من بين الأموات كل يوم، وتُظهِرُه بهدوءٍ للعالم بكلمةٍ واضحةٍ وأكيدة، وبشهادةٍ حرَّةٍ وحاسمة وحماسية".

ولكن، لمشاهدة القيامة والشهادة لها، لا بد أولاً من الحركة. توجهت النساء إلى القبر مبكراً، وقد رأين هناك القبر الفارغ والملاك. لذلك تابع غبطة البطريرك اللاتيني عظته قائلاً: "لا يقابَل القائم من بين الأموات إن لم نذهَبْ إلى القبر، وإن بقِينا منغلقين على أنفسِنا. (...) إن كانت هناك اليوم، أكثر من أي وقت مضى، حاجة إلى شهادة، فهي الشهادةُ للأمل والرجاء. إنَّ علاماتِ الخوفِ كثيرة، ويجبُ ألا تُوقِفَ محبتنا". واختتم غبطته قائلاً: "ليتَ كنيستَنا، كنيسةَ الأرضِ المقدسة، ليتها تختبرُ اليومَ أيضًا لقاءَها مع القائمِ من بين الأموات، ليتها تحيا في نوره، وتفرحُ بحضوره، وتتغذّى بحبِّه، وتستمِرُّ في بذلِ نفسِها من أجلِ حياةِ العالم!".

 

Beatrice Guarrera