.news-hero{position:relative;display:flex;gap:2rem;z-index:2}@media (max-width:768px){.news-hero{flex-direction:column}}.news-hero .single-news-hero{display:flex;flex-direction:column;gap:0.5rem;width:50%}@media (max-width:768px){.news-hero .single-news-hero{width:100%}}.news-hero .single-news-hero img{width:100%;height:20rem;object-fit:cover}.news-hero .single-news-hero span{font-size:0.8rem;color:var(--oxy-grey);font-weight:400}.news-hero .single-news-hero .post-title h3{font-size:1.5rem;font-weight:400}.news-hero .single-news-hero .post-title:hover h3{color:var(--oxy-red)}.news-hero .single-news-hero a{color:var(--oxy-red)}

ثمّة صورة لا أستطيع أن أنساها. كنتُ في خلوةٍ في محبسة الجسمانيّة — هناك، عند سفح جبل الزيتون، حيث تعرّق يسوع دمًا في ليلة خيانته — عندما رأيتُ راهبًا فرنسيسكانيًا يقوم بأمر بسيط للغاية: خلال القدّاس، كان يسجّل عظته. لم يكن يفعل ذلك لنفسه، بل ليرسلها عبر رسالة إلى معارفه، لكي لا تبقى تلك الكلمة محصورة داخل جدران المزار الحجريّة، بل تصل إلى من هم بحاجة إليها.
كانت شرارة. قلتُ في نفسي: لماذا لا نقوم بذلك بطريقة منظّمة؟ لماذا لا نحوّل فعل المشاركة هذا العفوي إلى مشروع له شكل، وانتشار، وبيت؟ وهكذا وُلد «بودلكتيو» (PodLectio)، وهو بودكاست يومي للتأمّل في إنجيل النهار، أُنجز بالتعاون مع المكتب الإعلامي لحراسة الأرض المقدّسة، الذي رحّب فورًا بالفكرة وتبنّاها، وهو اليوم في نسخته السابعة المتتالية.
الكلمة التي لا تعرف حدودًا
الفكرة الأساسيّة تقوم على بساطة إنجيليّة: كلّ يوم، خلال الأزمنة القويّة، زمن المجيء والصوم الأربعيني، يجلس أحد رهبان الحراسة — أو يمشي، أو يجتمع في زاوية من المزار — ويسجّل بنفسه تأمّله في إنجيل اليوم ويرسله إليّ. ثم يأتي دوري لأقوم بالمونتاج. لا إخراج، لا استوديو احترافي، لا ميزانيّة. فقط صوت راهب، وكلمة الله، والتقنية التي تؤدّي خدمتها المتواضعة.
القدّيس فرنسيس الأسيزي، الذي كان يحب أن يسمّي نفسه «منادي الملك العظيم»، لم يتعب من حمل الإنجيل إلى كلّ من يلتقيه، في الطرقات والساحات. أمّا اليوم، فهذه الطرقات تحمل أسماء أخرى: سبوتيفاي، يوتيوب، أمازون ميوزيك، آبل بودكاست. والمنصات — الرقميّة — تُحصى بالآلاف.
يُوزَّع «بودلكتيو» على جميع المنصّات الكبرى للبثّ الصوتي والمرئي. لكن التأكيد الأكثر بلاغة على قيمته جاء من مصدر موثوق وغير متوقّع: «فاتيكان نيوز»، الوسيلة الإعلاميّة الرسميّة للكرسي الرسولي، طلبت إدراج البودكاست ضمن برامجها اليوميّة. في المرّة الأولى كنّا نحن من اقترح ذلك؛ أمّا منذ المرّة الثانية، فهم الذين بادروا إلى طلبه. إشارة بليغة بحد ذاتها.
اثنان وأربعون صوتًا، إنجيل واحد
امتدّت النسخة السابعة من 18 شباط — مع حلقة تقديميّة إضافيّة — حتى 3 نيسان، الجمعة العظيمة، بمجموع أربعٍ وأربعين حلقة: واحدة لكلّ يوم من مسيرة الصوم نحو الصليب.
سجّل الرهبان من أماكن غنيّة بالدلالة: القدس ومزاراتها، سوريا، قبرص، اليونان، لبنان، الأردن، فلسطين، إسرائيل. ثم إيطاليا، مع حضور خاص لخمسة رهبان من أسيزي، من بينهم الرئيس الإقليمي، احتفالًا بالذكرى المئويّة الثامنة لانتقال الأب السرافي. في المجموع، اثنان وأربعون راهبًا، أي بمعدل راهب واحد لكلّ يوم من أيام زمن الصوم الأربعيني، وكأنّها سلسلة روحيّة تمتد عبر جغرافيا الحراسة وارسالياتها.
ومن بين الأصوات الأبرز، كان ولا شك صوت حارس الأرض المقدّسة، الذي شارك في ثلاث حلقات: الافتتاحيّة، والختاميّة، وحلقة الجمعة العظيمة الخاصّة، المخصّصة بالكامل للدعوة إلى "جمع التبرعات يوم الجمعة العظيمة لأجل الأرض المقدّسة".
كما حملت قبرص صوت المطران برونو، في علامة على أنّ المشروع لم يقتصر على الرهبان في مختلف مهامهم (حارس، أستاذ، قيّم، كاهن رعيّة...)، بل شمل أيضًا القيادة الأسقفيّة للجماعة. ومن دمشق إلى نيقوسيا، ومن بيروت إلى عمّان، ومن الناصرة إلى بيت لحم، خرجت الكلمة بصيغة صوتيّة لتصل إلى مؤمنين في مختلف المناطق الزمنيّة.
ولكي يكون المشروع عالميًا قدر الإمكان، أُضيف في نسختين منه موسم باللغة الإسبانيّة إلى جانب الإيطاليّة، وقد لقي أيضًا صدى واسعًا. وكما كتب القدّيس يوحنّا بولس الثاني في رسالته البابوية «رسالة الفادي » (Redemptoris Missio): «إنّ أولى ساحات العالم المعاصر هي وسائل الإعلام». ويبدو أنّ «بودلكتيو» أخذ هذه الدعوة على محمل الجدّ.
أرقام نموّ صامت
يعلم العاملون في مجال التواصل أنّ الأرقام وحدها لا تروي كلّ شيء. لكنّها أحيانًا تروي قصّة تستحقّ القراءة. في النسخة السابعة، سجّل «سبوتيفاي» 15,908 مستمعاً، بمجموع يتجاوز ألف ساعة استماع. وهذا الرقم يكشف أمرًا مهمًا: وهو أن أكثر من مستمع قد عاد ليستمع من جديد إلى الحلقة نفسها مرارًا. فالتأمّل، على ما يبدو، يحتاج إلى إعادة و«اجترار» روحي، بحسب تقليد "القراءة الربية" (lectio Divina) الذي يحمل البودكاست اسمه.
وقد تجاوز مجموع الاستماعات الفرديّة 45,000، بمعدّل 256 استماعًا لكلّ حلقة. وكانت حلقة أربعاء الرماد الأكثر استماعًا (384)، فيما بلغت الحلقة الأقل 213 — أي 213 شخصًا توقّفوا ليستمعوا إلى التأمل الذي ألقاه أحد الرهبان في الأرض المقدّسة حول إنجيل النهار.
ولفهم حجم هذا النموّ، يكفي أن نعلم أنّ المعدّل في النسخ السابقة كان بين 50 و80 استماعًا. أي أنّ العدد تضاعف أكثر من ثلاث مرّات خلال سنوات قليلة.
مشروع بلا كلفة… وبثمر لا يُقاس
ثمّة جانب في «بودلكتيو» يبدو شبه ثوري في زمن يهيمن عليه منطق السوق: إنّه مشروع بلا كلفة.
الرهبان يسجّلون بأنفسهم، بهواتفهم. لا استوديوهات، ولا أجور، ولا تكاليف توزيع. المونتاج يتمّ يدويًا، بعناية ولكن دون أدوات مكلفة. المنصّات إمّا مجانيّة أو شبه مجانيّة. العملة الوحيدة هي الوقت — وقت الرهبان الذين يتوقّفون يوميًا للصلاة والمشاركة — وشغف القائمين على المشروع والمتعاونين فيه، كالمتطوّع الذي يقرأ كلمة الله. وقد استخدمت أحيانًا، تقنيّات الذكاء الاصطناعي أيضاً.
ومع ذلك، فإنّ الثمر لا يُقاس. ليس اقتصاديًا، بل روحيًا: نفوسٌ تصل إليها الكلمة، مؤمنون تتم مرافقتهم خلال مسيرة الصوم، أشخاص لم يستطيعوا الحجّ إلى القدس، لكنّهم يسمعون كلّ صباح صوت راهب يصلّي عند الأماكن عينها التي سار فيها يسوع.
أجمل علامة: الرهبان الذين يطلبون المشاركة
الأرقام مهمّة، لكن هناك مؤشر لا يمكن لأيّ منصّة تحليليّة أن تقيسه: هو حماس الرهبان.
تصلنا باستمرار طلبات للمشاركة. وفي زمن المجيء، حين تكون الحلقات أقلّ، يعبّر كثيرون عن استيائهم لعدم إدراجهم. وبعضهم من ينتظرون دورهم من نسخة إلى أخرى.
وهذا ربما هو المؤشّر الأصدق على نجاح المشروع: ليس رقمًا على شاشة، بل صوت رجال مكرّسين يريدون أن يشاركوا صلاتهم مع العالم. رهبان، من قلب أراضٍ مثقلة بالحرب والمعاناة — سوريا، لبنان، فلسطين — يختارون رفع صوتهم لا للاحتجاج، بل للصلاة؛ لا للشكوى، بل للتأمّل في الإنجيل.
في النهاية، هذا ما فعله ذلك الراهب في الجسمانيّة: سجّل عظته لا لنفسه، بل لكي يسمعها آخرون. «بودلكتيو» لم يفعل سوى توسيع هذا الفعل: من فناء محبسة، إلى خمسة وأربعين ألف استماع؛ من هاتف راهب، إلى آذان العالم.
الكلمة، كالخبز، لا ينبغي أن تنقص.
بودلكتيو متوفّر على:
Spotify, YouTube (Custody of the Holy Land and PodLectio channels), Amazon Music, Apple Podcasts and Vatican News.
Nello Del Gatto
